ابن رضوان المالقي

35

الشهب اللامعة في السياسة النافعة

ملكها ، ( فاشترط عليه ، وتقبل شرطه ) ، ولا شك أن أهم هذه الشروط ، هو أن يتخلى أبو سالم عن معاونة ابن الأحمر ضد قشتالة ، وأن يترك غرناطة بدون مساندة من ملك المغرب . وقبل أبو سالم الشرط بل الشروط كلها . فجهز له جفنا من أساطيله . ومضى الأسطول الاسباني وعلى ظهره أبو سالم ، يرتاد شواطئ المغرب ، حتى تمكن من النزول في بلاد غمارة . من أحواز أصيلة وبعد حروب ومناوشات تمكن أبو سالم من دخول فاس ، والقضاء على ملك ابن أخيه الطفل أبي بكر السعيد . وقد تصور الناس - بعد كل هذه المآسي - أن أبا سالم سيلجأ إلى محاولة تهدئة الأمور وأن يجدد عهد أبيه أبي الحسن باستجلاب طاعة الناس له ، ولكن أصابه « حال غريبة ، صارت عن كثب إلى أضدادها ، فصرف وكده إلى اجتثاث شجرة أبيه فالتقط من الصبية بين مراهق ومحتلم ومستجمع طائفة تناهز العشرين ، غلمانا ، ردنة قتلوا اغراقا من غير شفقة توجب إباحة قطرة من دمائهم ورأى أن خلا له الجو » « 61 » . وهنا ما ذا حدث لهذا السلطان المنكود « ورأى أن قد خلا له الجو ، فتواكل وآثر الحجبة وأشرك الأيدي في ملكه ، فاستبيحت أموال الرعايا ، وضاقت الجبايات ، وكثرت الظلمات وأخذ الناس حرمان العطاء ، وانفتحت أبواب الارجاف ، وحدت أبواب القواطع » « 62 » . وسنرى كل هذا في الشهب اللامعة : الرفق واللين مقابلا للقسوة والغلظة ، العفو والرحمة والحجاب والظهور ، واشراك الأيدي في ملكه . . . أبواب المشورة والمستشارين . أما وقد استبيحت أموال الرعايا وكثرت الجبايات ، فإن ابن رضوان يسترعي نظر أبي سالم إلى ما ينبغي أن يكون عليه بيت المال والعدالة في الجبايات حتى بين الخرص والخراصين ، وكثرت ظلمات الناس فكتب فصلا عن السجن وأحوال المسجونين الخ . فهل كان ابن رضوان ، وهو الشيخ الوقور المتئد ، يخشى اقبال الفتنة على أبي سالم ، فكتب دستورا له ، أو قانونا كليا يحاول به انقاذ ما يمكن انقاذه ؟ كان يكتب التاريخ ويعطي أمثلة الأقدمين ، وهو ينبع من واقع المجتمع المغربي حينئذ ، من بنيته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية . أو بمعنى أدق إن الشهب اللامعة إنما هو صورة بارعة لتاريخ الدولة المرينية في عصورها الأخيرة .

--> ( 61 ) لسان الدين ابن الخطيب : الإحاطة ج 1 ص 307 ، 308 ( 62 ) نفس المصدر السابق ج 1 ص 308